انواع السحر

فك السحر بسحر الساحر –حرام و منكر

يبتلي الله عبادَه بألوان الفتن والمصائب؛ تمحيصًا لأهل الإيمان، فمن كان في دينه ضعفٌ، استماله الشيطان بتتبُّع رخص العلماء، ومن كان إيمانه صلبًا اعتمد على الله كفاية وحسبًا في جلب المنافع ودفع المضارّ.

وبعد:
فإنَّ من أهمّ غايات الدين الجليلة نزاهةَ العبد من كبائر الذنوب؛ قال تعالى: {إِن تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيماً} [النساء: 31].

ومن كبائر الذنوب: السِّحر؛ ولذا حذَّر منه النبي – صلَّى الله عليْه وسلَّم – من بعد الشِّرك، فقال: ((اجتنِبوا السَّبع الموبقات: الشِّرك بالله، والسِّحْر، …..)).

وممَّا يستدعي العجب فرحُ بعض النَّاس بالفتوى الشاذَّة، التي تُبيح مداواة المسْحور بالسِّحْر، وفاتهم أنَّ أعلام الهدى قد أطبقوا على تحريم هذا الفعل.

الباب الأول (واقع السحر)

تاريخ ظهور السحر:
قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات: 52]؛ وهذا يدلّ على أنَّ جَميع الأمم قد ظهر فيها السِّحْر، ومن هذه الأمم أهْل بابل الَّذين يؤلِّهون الكواكب السَّبعة، وقد ابتلاهم الله تعالى بإرْسال الملَكين هاروت وماروت لتعليم السحر لِمن شاء، ومع ذلك فهما يحذِّران من أساليب السحر؛ قال تعالى: {يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ} [البقرة: 102].

ثمَّ ظهر السحر في قوم نوح وأهل فارس بعد سيطرتِهم على أرض بابل، وممَّن فشا عندهم السحر قومُ فرعون؛ حيثُ استعانوا به في عمليَّات التَّحنيط، واستفحل السِّحر أكثر في زمن (دَلُوكا) ملكة مصر بعد فرعون.

ويكفي في أهل الهند أنَّهم خصصوا أحد كتُبهم المقدَّسة لتعليم السِّحر، وألَّف فيه أهل اليونان كثيرًا، وظهر في اليهود حتَّى آثروا السحر على شرع ربِّهم، واتهموا سليمان – عليْه السلام – بالسِّحْر فبرَّأه الله بقوله: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ} [البقرة: 102].

تعريف السحر:
لغة: هو كلّ ما لطف مأخذُه ودقَّ, وأصله: صرف الشَّيء عن حقيقته إلى غيره.
اصطلاحًا: هو عبارة عن أمور دقيقة مُوغِلة في الخفاء يُمكن اكتسابها بالتعلم, تشبه الخارق للعادة وليس فيها تحدٍّ، أو تجري مجرى التَّمويه والخداع، تصدر من نفس شريرة تُؤثر في عالم العناصر بغير مباشرة أو بمباشرة.

أنواع السحر:
القسم الأوَّل: السحر الحقيقي: وهو الَّذي له أثر حسي في الخارج.
النوع الأوَّل: ما كان من غير آلة ولا مُعين، وإنَّما بهمَّة النَّفس الخبيثة وقدراتها الروحيَّة, وإن من النفوس ما تقتل بالعين بإذن الله؛ قال رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((العَين حقّ، ولو كان شيء سابق القدر لسبقتْهُ العين)).

النَّوع الثاني: وهو السحر الَّذي يقع بمُعين خارجي:
أوَّلاً: الاستِعانة بشياطين الجنّ، حيث يتوسَّل إليهم السَّاحر بأعمال شركيَّة.
ثانيًا: الاستعانة بالأرْواح السَّماويَّة، ويندرج تحتَه سحر أهل بابل الَّذين يعتقِدون أنَّ الكواكب السبعة هي التي تتصرَّف في الكون، وأنَّها مصدر الخير والشَّرّ.
• ومنه الطلاسم وهي الاستعانة بالأفلاك والكواكب على الأجسام الأرضية بقوَّة نفس خاصَّة.
• ومنه الاستدلال على الحوادث الأرضيَّة بخصائص الأجسام العلوية، وقد أشار إليه الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – بقوله: ((مَن اقتبس شعبة من النجوم فقدِ اقتبس شعبة من السحر، زاد ما زاد))؛ رواه أبو داود.
• ومنه الاستدلال بمنازل القمر على معرفة علم الغيْب.
• ومنه استِعمال حروف (أبجد هوز) في الكشف عن أسرار الغيْب.

القسم الثاني: السحر التخْييلي.
وهو أن يتصرَّف السَّاحر في خيال الشَّخص المسحور، فيُريه الصورة الخياليَّة حقيقة حسيَّة, كأن يُريه شخصًا قام بتقْطيع أعضائه ثمَّ يعيدها.
• ومنْه السيمياء: وهو أن يركب السَّاحر أشياء من الخواصّ والأدهان أو المائعات، أو كلمات خاصَّة تُوجب تخيلات خاصَّة، كإدراك الخواص ببعض المأكول وغيره ولا حقيقة له.
• ومنه الهيمياء: وهي طريقة مخصوصة عند الساحر, تجعل المسحور يعيش في أوهام، كالتَّفريق بين المرء وزوجه.

القسم الثالث: السحر المجازي، وأنواعه هي:
الأول: الأخذ بالعيون وخفَّة اليد: 
وهو الذي يعتمد على مغالطة الرّؤية البصريَّة وصرفها عن حقيقة الشيء.
الثَّاني: الاستعانة بخواصّ الأدوية والأطعمة والملابس:
كأن يقتحِم السَّاحر النَّار بعد طلي جلده بموادَّ خاصَّة، أو يأمر السَّاعة بالتوقّف عن الحركة.
الثالث: السَّعي بالنَّميمة وإغراء بعض النَّاس ببعض، وهو الذي أشار إليه الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – بقوله: ((ألا أنبِّئُكم ما العضة؟ هي النَّميمة القالة بين الناس)).
الرابع: تعليق القلب، وهو أن يستحْوذ السَّاحر على قلوب ضعفاء العقول بعد أن يُخبِرهم أنَّه عرف الاسم الأعظم، وأنَّ الجن مستسْلِمون له.
الخامس: البيان؛ قال الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ من البيان لسحرًا))، ويقصد بالبيان هنا الانتِصار للباطل بلحن القول.

ومن العلماء من قسم السحر إلى أنواع أخرى غير الأنواع السَّالفة الذكر.

ويصِل السحر إلى حدّ الكفر باللَّفظ، كسبِّ الله ورسولِه، أو باعتِقاد ربوبيَّة بعض الكواكب، أو بالفعل كإهانة المصحف.

حكم السَّاحر:
السَّاحر كافر، والدَّليل قولُه تعالى: {وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى} [طه: 69] فالله نفى عنْه الخيريَّة مطلقًا، والكافر أحقّ بهذا الوصف دون غيره، ونفى عنْه النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أصْل الإيمان بقوله: ((ليس منَّا من تطيَّر أو تطير له، أو تكهَّن أو تكهن له، أو سحر أو سحر له)).

عقوبة السَّاحر:
حدّ السَّاحر القتل؛ دلَّ على ذلك ما رُوي عن النَّبيِّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – قوله: ((حدُّ السَّاحر ضربة بالسَّيف))، وأنَّ حفصة أمَّ المؤمنين – رضي الله عنْها – قتلت جاريةً لها سحرتْها، وهذا قول جَمْع من الصَّحابة، منهم عمر وعثمان بن عفان، ولم يُعلم لهم من الصحابة مخالف؛ فكان إجماعًا.

هل يستتاب السَّاحر؟:
اختلف أهل العلم في استتابة الساحر؛ فمنهم من رأى أنه يقتل ولا يُستتاب، ويسقط عليه حكم الزنديق ولأنَّ علم السحر يتعذَّر فيه التَّوبة, ومنهم مَن رأى أنَّه يستتاب فإنْ تاب قُبِلت توبته؛ لأنَّ جُرمه لا يفوق الشِّرك، ولأنَّ في توبته مصلحة للمؤمنين.

كما يكفر مَن تعلَّم السحر إلا في أَمريْن أجازهما بعض العلماء، وهما: إمَّا ليتبيَّن ما فيه كفرٌ عن غيره، من غير اعتِقاد، أو لإزالتِه من غير أن يترتَّب محذور عن ذلك.

ما حكم إتيان السَّاحر؟
قال – صلَّى الله عليْه وسلَّم -: ((مَن أتى عرَّافًا أو ساحِرًا أو كاهنًا يُؤمن بما يقول، كفَرَ بما أنزل على محمَّد – صلَّى الله عليْه وسلَّم)).
فدلَّ الحديث على كُفْر من أتى السَّاحر، واختلف العُلماء في المراد بنوع الكفر، وظاهِر الحديث يفيد الكفر الأكبر.

الباب الثاني (علاج السحر)

مشروعية التداوي في الإسْلام:
قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تداوَوا فإنَّ الله – تعالى – لَم يضع داءً إلاَّ وضع له دواءً غير داء واحد: الهرم)).
فأرشد رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – إلى التَّداوي وأنَّه لا يقْدح في التوكُّل، وأجاز الرقْية في أحاديثَ أُخرى، إذا استوفتْ لثلاثة شروط اتَّفق عليها العلماء، وهي:
• أن تكون بكلام الله أو بأسمائِه وصفاته.
• أن تكون بكلام مفهوم.
• أن لا يعتقد أنَّها تؤثِّر بذاتها دون الله تعالى.

العلاج المشْروع للسحر:
على المسلم أن يَستعين بأذْكار الصَّباح والمساء ودبر الصَّلوات المكتوبة؛ لتكون له حصنًا حصينًا من جميع الشُّرور.

أمَّا عن علاج السحْر بعد الإصابة به، فهو كما يلي:
أوَّلا: اللجوء إلى الرقْية الشَّرعيَّة:
أ- بالقرآن الكريم: قال تعالى: {قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ} [فصلت: 44]، فمَن لم يشْفِه كتاب الله فلا شفاه الله، ولا بأس بتخْصيص سور وآيات معيَّنة في الرقية، ومنها: قراءة سورة البقرة فإنَّها لا تستطيعها السَّحرة، وقراءة الفاتحة والمعوّذتين وآية الكرسي، وقراءة الآيات (81 – 82) من سورة يونس، و (118 إلى 122) من سورة الأعراف، و (69) و (57) من سورة يونس و (36 – 47) من الشعراء و (44) من فصلت.

ولا بأس بالرُّقْية مع النَّفث على المسْحور، أو بالقراءة على الماء ثمَّ الشُّرب والاغتِسال منْه، أو بالقِراءة على زيت الحبَّة السَّوداء والادِّهان به.

ب- بالأدْعية والتعوُّذات النبويَّة العامَّة لكلّ داء:
ومنها: “أعوذ بكلمات الله التَّامَّة من كلّ شيطان وهامَّة ومن كل عين لامَّة”.
“امسح الباس, ربّ النَّاس, بيدك الشفاء, لا كاشفَ له إلاَّ أنت”.
“أعوذ بكلِمات الله التَّامَّة من غضبه وعقابه، من شرّ عبادِه، ومن همزات الشَّياطين وأن يَحضرون”.

ثانيًا: الأدوية المباحة التي نصَّت عليْها السنَّة:
أن يصطبح كلُّ يوم على أكل سبع تمرات من عجوة المدينة، فإنَّه لا يضرُّه سُمّ ولا سحر؛ كما ثبت عن النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم.
الاستِعانة بالحجامة في المحلّ الَّذي يصِل إليْه أذى السِّحْر. 
دقُّ سبع ورقات من السِّدْر الأخضر بين حجرَين، ثمَّ يُخلط في الماء ويُقْرأ فيه آية الكرسي وذوات “قل”، ويحتسي منه المسْحور ثمَّ يغتسل به.

وأفضل الأدْوية البحث عن السِّحْر بالطرُق الشَّرعيَّة ثمَّ استِخْراجه وإبطاله بالرقْية.

وأنواع أخرى للرقية ذكرها ابن حجر في “الفتح”.

وأمَّا السحْر المأكول والمشْروب، فعلاجه بالاستِسْهال مع الرقية.

الباب الثالث: (فك السِّحْر بالسحر):
القول الرَّاجح في مسألة فكّ السِّحْر عن المسحور بالسِّحْر:
يحرم علاج السحر بالسحر؛ لعموم الأدلَّة الشَّرعيَّة الَّتي لا مخصِّص لها.

أوَّلاً: عموم أدلَّة التَّحريم من الكتاب:
قال تعالى: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ} [البقرة: 102].
فالسِّحْر ضررٌ كلُّه، والضَّرر ألَم لا نفْع يُوازيه.
وقال تعالى: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ المُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ} [الأعراف: 157].
فالله حرَّم جميع الخبائث، والسحر هو أوْلى بالتحريم لتلطُّخه بنجاسة الشرك.

ثانيًا: نصوص السنَّة، ومنها:
قال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((اجتنِبوا السَّبع الموبقات: الشِّرك بالله والسِّحر ..)).
وسئل النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – عن النُّشرة قال: ((هي من عمل الشَّيطان)).
قال ابن القيم: “النُّشرة حلّ السِّحر عن المسحور, وهي نوعان: حلّ السحر بمثله والَّذي هو من عمل الشَّيطان، وعليه يُحمل قول الحسن فيتقرب النَّاشر والمنتشِر إلى الشَّيطان بما يحبّ فيبطل عمله عن المسحور، والثَّاني: بالرقية والتعوُّذات والأدوية المباحة فهذا جائز”.
وقال – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّ الله أنزل الدَّاء والدَّواء، وجعل لكل داءٍ دواء، فتداوَوا ولا تتداوَوا بحرام)).

ثالثًا: بعض أقوال أهل العلم:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “والمسلمون وإن تنازعوا في جواز التَّداوي بالمحرَّمات؛ كالميتة والخنزير، فلا يتنازعون في أنَّ الكفر والشِّرْك لا يجوز التداوي به بحال …”.
قال الشَّيخ حافظ حكمي: “أمَّا حلّ السِّحْر عن المسحور بسحر مثله فيحرم …”.
قال الشيخ ابن باز: “فكّ السِّحْر بالسحر لا يجوز …”.
وممَّن رجَّح المنْع أيضًا الشَّيخ محمَّد بن إبراهيم ومحمَّد الأمين الشنقيطي.

شُبه وحجج مُجيزي فكّ السحر بالسحر، والرَّدّ عليها على ضوء الكتاب والسنَّة وقواعد الفقه وأصوله:
أولا: من الحُجَج الواهية التي تمسَّك بها الذين أجازوا فكَّ السّحر بالسحر: أنَّهم يرَوْن قولَ النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – في النُّشرة: ((هي من عمل الشيطان)) هو مجرَّد خبر، ولا يتضمَّن نهيًا صريحًا.

والرَّدّ على هذا الاستدلال أنَّ قوله: ((هي من عمل الشيطان)) فيه نسبة العمَل إلى الشَّيطان، وهي علَّة كافية في التَّحريم، ومثاله قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [المائدة: 90]، وقوله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((….. فإنَّ “لو” تفتح عمل الشَّيطان)).
ثمَّ إنَّ النَّهي يقتضي التَّحريم؛ لعموم الأدلَّة التي تُحرِّم السِّحر وفاعله وطالبه.

• وممَّا احتجَّ به بعض المجيزين – منهم د. العبيكان -: أنَّ حديث النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أتى كاهنًا أو عرَّافًا فصدَّقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمَّد)) لا يدلّ على تحريم إتيان السَّاحر لفكّ السِّحر؛ فهو مخصوص بالكاهن والعرَّاف فقط.
والرَّدّ عليهم: قال الإمام أحمد: “فالكاهن هو الَّذي يستدلّ بالنّجوم على معرفة الغيب”، ومَن ادَّعى علم الغيب فهو منجّم، والتَّنجيم عدَّه النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – شعبةً من السِّحْر.
وصحَّ الحديث بروايةٍ أخرى: ((مَن أتى عرَّافًا أو ساحرًا أو كاهنًا …)). 

• قال الشيخ – حفظه الله – أيضًا: الَّذين يأمرون النَّاس بالاقتِصار على الرُّقْية يخالفون ما فعله النبيُّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – من استخراج السِّحْر وحلّه.
والجواب على ذلك: أنَّ النَّبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – دلَّه خبر السَّماء بمكان السِّحر، ولَم يَستعِن عليه بسحر مثله.
وممَّا استدلَّ به الشَّيخ أنَّ النَّهي عن التَّداوي بالحرام يختصُّ بالدَّواء المحرَّم، المأكول والمشروب، وحلّ السحر ليس منه.

فنقول: إنَّ لفظ الحديث عامّ لا مخصِّص له، والأدْوية لا تقتصِر على المأْكول أو المشروب؛ فمن الدَّواء البخور والحجامة والكيّ, والنَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أخبر أنَّ الشِّفاء لا يُطلب بالحرام، والسحر محرَّم.

ثانيًا: يتذرَّعون بإقرار النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – النُّشرة:
وحجَّتهم في ذلك: أنَّ النَّبيَّ – صلَّى الله عليه وسلَّم – عندما استخرج السِّحْر الَّذي سحره به لبيد بن الأعصم اليهودي، فقالت له عائشة – رضِي الله عنْها -: “فهلاَّ تنشَّرت”، فلم يُنكر عليها – صلَّى الله عليه وسلَّم.

ويُؤخذ عليهم في استِدلالهم مأخذان:
1- ورد سؤال عائشة بروايات مختلفة؛ بلفظ: أفلا أحرقته؟ ولفظ: أفأخرجتَه أو استخرجته؟ ولفظ: أفلا ..؟ أي: تنشَّرت.
وتنشَّرت من النشر بمعنى الإخراج؛ أي: إخراج السحر من الجف، والأولى حمل الرِّوايات المختلفة على معنى واحد، كما هو مقرَّر في الأصول، وللجمع بين الأدلَّة التي تحرِّم السِّحْر عمومًا.
2- فرضًا أنَّنا سلَّمنا بما ذهب إليه الشَّيح في حديث عائشة، فإنَّه لا يمكن الجمع بينه وبين حديث جابر الَّذي قال فيه النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – عن النُّشرة: ((هي من عمل الشَّيطان))، فيُصار إلى التَّرجيح، ومن قواعد التَّرجيح:
• القول مقدَّم على الفعل والإقرار؛ فيقدم حديث جابر لأنَّه قول. 
• يقدم حديث جابر لموافقتِه للقرآن والسنَّة وعمل السَّلف، والأخذ به أحوط.
• ومن قواعد التَّرجيح: أنَّ الحاظر مقدَّم على المبيح، وحديث جابر يحظر وحديث عائشة يبيح.

ثالثًا: يستدلّ المُجيزون بما رواه البخاري عن قتادة قال: قلتُ لابن المسيّب: رجل به طبّ أو يؤخذ عن امرأته، أيحلّ عنه أو ينشر؟ قال: “لا بأس؛ إنَّما يريدون به الإصلاح، فأمَّا ما ينفع فلم يُنْه عنه”.

ومراد ابن المسيب هو الرقية الشَّرعية النَّافعة التي لا تعقبها مضرَّة، والَّتي أذن فيها الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – وإن حُمل قول ابن المسيب على فكّ السحر بالسحر فلا عبرةَ به؛ لأنَّه مخالف للنّصوص الشَّرعيَّة العامَّة التي لا مخصّص لها.

رابعًا: يقولون: حملنا على الإباحة الضَّرورة التي تباح بها المحرَّمات.
فالضرورة تبيح المحظور بشروط، منها: ألا يكون هناك سبيل لدفْع الضَّرورة إلاَّ ارتكاب هذا المحظور، وطرق علاج السحر كثيرة.
وأن يكون المحظور أقلَّ من الضَّرورة، والسحر كفر وهو أعظم ضررًا، والتَّداوي ليس بضرورة؛ لوجوه ذكرها ابن تيمية، وهي:
قد يقع الشِّفاء بلا دواء لأسباب ظاهرة وخفيَّة.

من أوجب التَّداوي رُدَّ عليه بحالِ المرأة السَّوداء الَّتي كانت على عهْد النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – واختارت الصَّبر مع الجنَّة على الدُّعاء بالعافية، وبحال الأنبياء الذين فضَّلوا الصبر على البلاء.
أنَّه لا يستيقن دفْع المرض بالدَّواء. 
وأنَّ الله لم يجعل الشِّفاء في الدَّواء الحرام.

خامسًا: احتِجاجهم بالقاعدة (الأصل في المنافع الإذْن وفي المضارّ المنع):
فكيف يكون السِّحْر نافعًا؟ وقد قال الله تعالى فيه: {وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ} [البقرة: 102]، فالله نفى النَّفع عن السحر من جميع الوجوه.

سادسًا: يحتجُّون بالقاعدة الفقهيَّة (الأمور بمقاصدها):
(الأمور بمقاصدها) قاعدة فقهيَّة لا يُعتمد عليها في استنباط الأحكام دون نصّ، والاستدلال بها يقتصِر على أبواب فقهيَّة محدَّدة ليس منها إباحة المحرَّمات، إضافة إلى أنَّ القاعدة الفقهيَّة قاعدة أغلبيَّة يُستثنى منها الاعتِماد على وسيلة محرَّمة لغرض مباحٍ شرعًا، إمَّا استعْجالاً أو تحايُلا، والسِّحْر كفر ولا تُبرِّره النيَّة الحسنة؛ بل يشترَط لصحَّة المقصد عدم منافاته الشَّرع.

سابعًا: اعتمد المجيزون على اجتِهادات بعض السَّلف:
هؤلاء العلماء يُؤجرون على اجتهادهم وإن كان خاطئًا، ولا يؤخذ به؛ إذ لا اجتهاد مع مورد النص.

وممَّا يمكن أن يستدلَّ به على عدم جواز فكّ السِّحْر بالسحر أمور:
أ) أنَّ المجيزين أباحوا النُّشرة السحريَّة لعلَّة التداوي، والمانعين منعوا التَّداوي بما يتضمَّن الكفر، والحاظر مقدَّم على المبيح. 
ب) إذا كانت وسيلة الحصول على الشفاء محرَّمة، فإنَّه يحرم استعمالها؛ لأنَّ ما أبيح لصفته حرم لسببه.
ج) قياس النُّشرة السحْريَّة على التولة الشِّركيَّة؛ لاشتراكهما في نفس العلَّة على وجود السحر المتضمّن للكفر والشرك.
د) أنَّ النَّبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أطلق لفظ الكُفر على مَن أتى السَّاحر وطلب السحر عمومًا، والعلَّة التي تتوافق مع حكم الكُفْر هي الاستعانة بأعمال السحرة الشركيَّة.

الأضرار المترتِّبة على الاستعانة بالسَّاحر لفكّ السحر:
• التَّساهُل بالأمر النَّبوي بقتل السَّحرة.
• التَّعاون على الإثم والعدوان.
• تكثير سوادهم ونشْر بضاعتهم المزجاة.
• إعطاؤهم الفرصة السَّانحة لأكل أموال النَّاس بالباطل.
• وأعظم المصائب: الاعتماد على غير الله في طلب المنافع ودفع المضار، وفي ذلك الخسران كلّه.
• التفريق بين الأحبَّة بسبب تصْديق كلام السَّاحر المتضمّن للنَّميمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق